الموضوع: جديد دور النشر
عرض مشاركة واحدة
قديم 08-17-2010, 09:53 PM   #4

البدوي الأخير

Banned

______________

البدوي الأخير غير متصل

 
الملف الشخصي
تاريخ التسجيل: Dec 2006
الإقامة: بين النهرين
المشاركات: 790  [ ؟ ]

آخــر تواجـد

()

افتراضي شكراً يا سفر على هذا الموضوع

 



الرائحة - أبجدية الإغواء الغامضة

تأليف: تبيت فرون، بالاشتراك مع: أنطون فإن أمرونغين وهانز دي فرايز.

ترجمة: د. صديق محمد جوهر.

جهة النشر: كلمة، هيئة ابوظبي للثقافة والتراث.


الفصل الأول: تاريخ الرائحة والشم

يحتل الأنف موقعاً مركزياً في وجه الإنسان، وهو بالغ الحيثية فيما يتعلق بالأناقة والتجميل، كما أنه لاغني عنه لمن يضعون النظارات منا. والأنف ملمح من الملاح المألوفة في الحياة الاجتماعية والثقافية وفي الأدب أيضا، ولكي نتبين هذا الملمح فليس علينا سوى أن ننظر إلى الأمثال والأقوال والكنيات والتعبيرات المهينة التي تتصل بهذا الجزء المدهش من الوجه. إن الأنف يمثل أيضاً القسم الخارجي الظاهر من حاسة الشم، ومع ذلك فإنه في حد ذاته لايلقى الاهتمام الواجب. وعلى سبيل المثال لاينتبه كثير من الناس إلى أن التنفس عبر الأنف حيوي للصحة الجسمية والعقلية في آن معاً. فالتنفس بالطريقة التي فُطرنا عليها تضمن لنا أن يكون الهواء الذي نتنفسه دافئاً ونقياً إلى حد ما فضلاً عن إنها توفر الضغط المناسب في شرايين التجويف الصدري (1). وأخيراً تزداد قدرة المرء على شم الروائح عندما يتنفس عبر الأنف مما يفيد عامة المزاج والذاكرة.

أهمية الشم والرائحة
يطلق العلماء على حاستي التذوق والشم اسم الحاستين الكيميائيتين قاصدين بذلك أن المثيرات المرتبطة بهما ذات أساس كيميائي. وتبدو حاسة الشم غامضة في العديد من جوانبها، ليس لقلة مانعرفه عن كيفية عملها فحسب، وإنما بالمثل لأن غالبية الناس لايعيرون أهميتها الانتباه الكافي. وعندما يُسأل الناس أي الحواس يمكنهم الاستغناء عنها إن لزم الأمر، فإن حاسة الشم تأتي على رأس القائمة، وتجيء حاسة البصرفي ذيلها. وهذا الاختيار مثير للجدل إن وضعنا في الاعتبارأن الشم يقوم بدور مميز في الكثير من العمليات النفسية ونماذج السلوك. فالشم لازم لعملية الذوق، كما أنه يؤثرفي حياة الناس الجنسية، وفي عمليات التحفيز والتذكر(بما يتضمن التعلم والصحة والإحساس بالأمان والسعادة)، كما أنه يقوم بوظيفة الإنذار المبكر حين تتعرض الحياة للخطر(كما في حالة اكتشاف تسرب الغاز وخلاف ذلك). وعلاوة على كل ماسبق، فإن الشم «يحرز قصب السبق في المنافسة» (أقصد بذلك أنه عندما تُستثار مجموعة من الحواس في وقت واحد) فإن الأنف يأتي غالباً على رأس القائمة. إن تفاحة جميلة المنظر عطنة الرائحة لاتثير شهيتنا على الإطلاق، أليس كذلك ؟

إيجاز عن التاريخ الثقافي للرائحة
من الناحية التاريخية بات السجال حول وضعية الشم سجالاً معقداً ،خاصة في البلدان الغربية، حيث اتخذ هذا السجال بدون أدنى شك طابعاً ملتبساً (2). فقد حمل أفلاطون على العطور حملة شعواء من حيث اعتبرها أدوات للتخنث واللذة الجسدية، في زمن كان فيه استعمال المعطرات وقفاً على بائعات الهوى. في معتقد أفلاطون أنه يتعين على الفضلاء ألا يهتموا بغير تنمية الخير في نفوسهم بالاستماع إلى الموسيقى وتعلم الرياضيات، فما الجسد بكل روائحه، في رأيه، الا مجرد قبر مؤقت للروح، وفضلاً عن ذلك فإن الأنف لقرب موقعه من المخ فهو على اتصال مباشر بالمشاعر والرغبات التي يحسن التخلص منها. أما سقراط فكان أقل قطعية - إلى حد ما - في رأيه من أفلاطون، فقد خلُص إلى أن الروائح تعكس الانتماء الاجتماعي والوضع الطبقي للفرد بما يعني أن الرائحة تحمل في طياتها قيمة أو دلالة معلوماتية (3).
ومع ذلك فقد اعتبرأفلاطون العين والأذن من الحواس التي تفوق في أهميتها الأنف. وقد رأى أفلاطون أن السمع عموماً والبصر خصوصاً يقومان بأنشطة «نبيلة» على صعيد الاتصال الاجتماعي لأن هاتين الحاستين تجعل البشر في حالة تماس مباشر مع عالم الكمال. فالهندسةهي علم وليد الرؤية، والموسيقى الفيثاغورثية المحيطية تلتقطها الأذن، أما التذوق الحسي فهو أمر معهود الالتباس منذ القدم. وقد اعتبر كثير من الفلاسفة اللمس والشم أموراً سوقية وأقرب إلى أن تكون أعمالا دنيئة (4). ويُعلل فرويد ذلك بطريقة أخرى مشاركاً في ذلك علماء آخرين، حيث رأى أنه طالما كان الإنسان يمشي منتصب القامة فإن هذا يدل على أن الإنسان قادر أن يرى ببصره كل ما يحدث حوله وإلى مسافة طويلة بعيدة عنه. وقد ذهب البعض إلى حد الزعم بأننا لانحتاج الشم إلا نادراً أو كما نحتاج إلى ذيل على الأكثر. ويعتقد آخرون أن هذه الفكرة ليست فكرة خرقاء، فكثير من الروائح أثقل من الهواء بحيث لا يتمكن أحد من شمها إلا وهو مستلق على الأرض.ِ
ومن النادر أن نجد بين الفلاسفة المتأخرين مَن تعرض لظاهرة الشم من أي ناحية، وإن أقدم بعضهم على ذلك (مثلما فعل كانط في نهاية القرن الثامن عشر) فإنهم يحطون من شأن تلك الحاسة ويتعاملون معها بازدراء. وقد ترتب على ذلك جزئياً عدم إجراء أبحاث على عملية الشم والإحساس بالرائحة في حين تم توجيه اهتمام بالغ إلى حاسة البصر.
وإبان «الثورة العلمية»، في عصر التنوير والثورة الصناعية، تم التركيز الشديد على العقل، وبات المفكرون ينظرون إلى العقل البشري على أنه محرك التقدم. وقد مَثل هذا الموقف تصاعد نزعة الازدراء تجاه العواطف والجسد على العموم. وقد انسحب ذاك الموقف على الشم حيث إن هذه الحاسة ترتبط في الأذهان بروائح جسمية وأنفاس (كريهة) وضمن أمور أخرى متعلقة بالجسد، وهي نظرة تمتد جذورها إلى تراث كل من أفلاطون وكانط. ومن جهة أخرى فقد لعبت الفلسفة التجريبية الانكليزية دوراً مفصلياً فيما يتعلق بالشم وأهمية الحواس بشكل عام، حيث أحالت جميع المعارف الإنسانية إلى الحواس. وبمقتضى الفكرة القائلة إن المعرفة تقوم بصورة كاملة على التجربة شرع كثير من الباحثين والعلميين (والأطباء والكيميائيين الذين تعاونوا معهم) في استخدام حواسهم، بما فيها حاسة الشم، بصورة مكثفة. وجدير بالملاحظة أن الأمر قد استغرق زمناً طويلاً حتى اكتشف هؤلاء أن ثمة وشائج وروابط بين الروائح وبين المواد الكيميائية. وعلى سبيل المثال ، ظل الطبيب الهولندي الشهير «بورهاف» يعتقد أن أي رائحة ترجع في الأصل إلى «سائل» قائم بذاته أسماه (اسبريتوس ريكتور (spiritus rector - يُفترض أن يكون ذا طبيعة زيتية (5). وينطبق الأمر ذاته على الهواء: إذ لم يعرف الكيميائيون في بادئ الأمر أن الهواء يتكون من مزيج من العناصر والمركبات. (منقول).
  رد مع اقتباس