الملاذ - أدب و ثقافة و فنون

 

 

 

 

 


رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
قديم 12-20-2011, 02:52 AM   #1

 
الصورة الرمزية قـلق

قـلق

Registered User

______________

قـلق غير متصل

 
الملف الشخصي
تاريخ التسجيل: Dec 2006
الإقامة:
المشاركات: 39  [ ؟ ]

آخــر تواجـد

()

افتراضي الجابر في مدار التعب والأنثى ..

 


الجابرُ في مدارِ الأنثى والتعب ..












وحيدًا فـي امْتدادِ خُطـاك
فاضـل الجابـر
ط1 / دار فضاءات/ 110ص




يستطيعُ الجابرُ أنّ يجردَكَ مِنْ أتعابِك لتدخلَ روحَ نصِّه خالصًا إلا من حُبِّه الذّي يحملُه على امْتدَادِ وحدتِهِ، وَتعبِهِ الخاص، وأقدارِ الفقدِ التّي لا يتصالح بأنّها بابًا نهائيًا بلّ يقف عليها مُجْلِلاً وحدته بتيجانِ الغزلِ الأجمل، وغاباتِ القلب التّي تخلقُ - وَعلى مدارِ النصِّ- سوداويةً أنيقةً جدًا !


ونلاحظُ في هذا الديوان طريقة توزيع بدأتْ بـ " مُفْتَتَحٍ " لا يحوي سوى فراغٍ يغري المتلقي لدخول عالمَ الشِّاعر، حاملاً تأويل الغلافِ وصورته التّي اختارها بعنايةِ الألوانِ وحِيلها وأنثويتها، بالإضافة للمدى الفارع الذي كُتِب به العنوان .. كل هذه التفاصيل تفضح فراغ المفتتح المتواري خلف شهيته !


ونرى بعد ذلك توزيع النصوص بـ "أمدٌ من الفقد، اختناق، صرخة في الفراغ، زفرة، بحة لعنة..." وكلّها دلالات حزنٍ ووجعٍ وفجيعة، لكن المختلف أن الشّاعر عالج هذه الأوجاع بموسيقى عالية الإيقاع، تهدهد الحبّ وتغازل الأنثى بسحرِ الخيال والابتكار، والبوح البهي الذي يرصد تعبًا إنسانيًا نبيلاً، ويقف على ياسمينات البحر ويخطف ساحله الأخضر، ويأتي بالغيوم الآفلة في ظهيرة العشق ليظلل بها وجه معشوقته ويبلله بالنّدى والقُبل وكرات الدهشة التّي أسرنا بها في لقـطات كثييييرة بديوانه.


كما أن الشاعر تفوّق في رسم الموقف، وجعلَ المتلقي يتوقدُ بمخيلته الفارهة في غربلةِ الغزل وحبِّ الأنثى التّي أضحتْ قدرَهُ ومجهوله وأثمه اللذيذ، فهي ليستْ كأي شخوص الحياة بل هي محورٌ كونيٌ وعلةٌ جمعيةٌ وضرورة، كما أنّها تعددٌ ومدارتٌ وسببُ وجود .. وبهذا كلّه يُحدِثُ الشّاعر تحوّلاً في القصيدة بطرحه لموضوعٍ قديمٍ بشكلٍ مختلف تميّزه لغةٌ وثراءٌ لفظي وحِيلٌ نحويةٌ خضعتْ لإيقاعِهِ وطربه الحزين. وهنا يصف أنثاه : " ... خطئي اللذيذ بأن تبعتُ هواها/ أمضي إلى المجهول إن صادفتها ويزل عقلي/ وأنا لا أحس بنض قلبي، لا أرى / أنا لا أرى في العالمين سواها ..".
ويخاطبها: " سينبيكِ قلبُ المتيم/ يا نفحةَ الشوق / إن زاره في هواك الجنون/ وطيّير عنكِ العصافيرَ/ من أيقظَ الصبح يا وردة الله/ من غرز الشوقَ في مشبك الضوء/ طرّز خديك بالحبِ/ أرهق وجهكِ لثمًا/ إلى أن تلاشيتما في السكون ".



ولو غرقنا في نصوصِ الشّاعرِ أكثر سنقفُ على الإنسان، ولكن هذه المرة الإنسانُ المبدع الذّي يتلقى الأزمة ويقذفها بصياغةٍ لغويةٍ عالية تعكسُ شخصيته وتصوّره لمعاناة الوحدة، وانغماسه في تعب أناه الذّي أُثقلِ بتوترِ الحُبِّ والوجود والمجهول والفقد والحياة والموت، وبهذا يعرضُ أتعابًا بشرية في قوالب مستعصية على البهاء، مُدَّربَة على الحزنِ السردي، المسترسل بامتدادٍ إيقاعيٍ قوي، وآتٍ من علياء البوح إلى حتميةِ الخيال، ومثقلٌ في كلّ ذلك بذاتِهِ البائسة ..وواقفًا على أطلال دموعه:" تمرّس بحزنك حتّى تخبئ هموم الحياةِ برسمِ ابتسامة/ تعلّم بأن تقفل البابَ، تبكي وحيدًا / لا تجعل الروحَ عاريةً فالسلامةُ للروحِ أولى سلامةْ/ توّقع بأن يسألوكَ إذا ما رأوا دمعةً تتراقصُ خلف عيونكَ/ ماذا يراودُ هذي العيونَ/ فقل: يالهذا الغباااااار! ".


ونحن نقرأ مساراتِ حياة الشّاعر في ديوانه، نقرأ معها سيرةً عاطفيةً طافحة بمكاييل الزمن الثقيلة، فهو اتْخذ من القصيدة " صديقة " يرتديها بسلاسة ويتبختر معها بلذة، ويبوح لها بكلّ بما فيه من أغنيات الجسد الزاهية، إلى الأشياء الهائلة التّي تحدث معه وحوله حتّى أهداها دمه الأبدي، وكشفَ لها الخير والشّر، الشَّــر الذي تحدّث عنه بلغةٍ عنيفة، الشَّر الماجن الذي استهلك من طاقةِ الشّاعر وأوقد الجمر على روحه، وعاثَ خرابًا، الشَّر الذي يكشفُ حساسية الشّاعر الذي ينصهرُ حينًا، ويشتعلُ حينًا آخر وهو على وتيرة الإبداع ذاتها : "الملاعينُ وحدهم يملؤون فضائي/ فمن أين لي أن أناجزهم في الحضور وهم ملؤوا النفسَ بالغيظ من طرفِ الكونِ حتّى المدارِ وهم يملؤون الفضاء غبارا/ الملاعين يأتون من حيث يأتي النهارُ، يغضُّ بما خلفه الليالي، شجارًا، عواءً ، نحيبًا خوارا .."


وبعد تنوّع هذا المنجز وتعدده تميّزه، يدعو الجابرُ المتلقي - في " قفلته " - لاكتشاف الأجمل، لدخولِ صفته الخفية، والبحث عن جهة الجوهر الأنقى. وقد نجحَ الشّاعر في جعلنا قطعةً منه، نذوبُ في عاطفته، ونكونُ العنصر الأصعب الذي يدخلُ الدائرة ولا يخرجُ منها. وأعتقدُ رغم كلّ الأسى إلا أن نبوءةَ الشّاعر في بدايةِ نصوصه، ستتحقق وجمال هذا الامتداد أولها ".. يخامرني الشّكُ أن انفراجًا لقلبي/ وعتقًا من الحزنِ حتمًا سيأتي ..".





رقيّة مهدي

  رد مع اقتباس

 

رد

Bookmarks


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحـــث المتقـــدم
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
You may not post new threads
You may not post replies
You may not post attachments
You may not edit your posts

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة



الساعة الآن 02:10 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.2, Copyright ©2000 - 2019,

Powered by vBulletin
Copyright © 2000-2010 Jelsoft Enterprises Limited.